الكتابة والنشر الإلكتروني

عَبَرات ومِحَن في حياة ج. ك. رولينج مؤلفة هاري بوتر، من رحم الألم يولد الأمل

نحن الآن في النصف الثاني من التسعينات؛ بإحدى المكتبات بالمملكة المتحدة. هل ترى هذه الشقراء النحيلة، التي تجلس لتوقيع حفل كتابها الأول؟ نعم، هذه هي بطلة مقالتنا اليوم، “جوان كاثلين رولينج”، أو كما تُعرف في كل أرجاء العالم، بـ”ج. ك. رولينج

كما ترى فإن الحاضرين قليلون جدًا، لا يتجاوزون أصابع اليد العشرة تقريبًا، لكنهم هنا يشجعونها، ويطلبون منها المثابرة. كتابها يحمل عنوان” هاري بوتر، وحجر الفيلسوف Harry Potter and the Philosopher’s Stone”. كتاب ظلت تكتبه لفترة طويلة، حتى خرج للوجود.

ميلاد هاري بوتر من رحم المعاناة

هيرميون غرينجر
هيرميون غرينجر

ج. ك. رولينج، ولدت مرتين: المرة الأولى في 31 يوليو عام 1965، بالمملكة المتحدة، ويمكن القول إنها وُلدت مجددًا من خلال شخصية ” هاري بوتر”، والذي ولدته من مخيلتها ذات يوم، وهي عائدة بالقطار من مانشستر إلى لندن عام 1990. لهذا يمكنك التخيل كيف يتحدث الكتّاب عن كتبهم باعتبارهم أطفالهم. هذه ليست مبالغة فيما يبدو.

كانت جوان تعيش فترة من أصعب الفترات في حياتها. كانت مطلقة، وأمًا لطفلة، وتعيش حالة من الاكتئاب، نظرًا لوفاة والدتها بداء التصالب المتعدد، وكانت تحب الكتابة منذ صغرها، بينما كان والداها يريان أن الكتابة لن تؤكل عيشًا. لكن كيف وصلتْ جوان العزيزة إلى هذا البؤس؟

حسنًا، في البداية علينا أن ننوه أنها كانت تحب الكتابة منذ طفولتها، بل إنها كتبت أولى قصصها عندما كانت في السادسة تقريبًا، وكانت تحكيها لأختها. ربما هذا يفسر دخولها لجامعة إكستر بباريس، بعد أن تم رفضها للدخول بجماعة أكسفورد، والحقيقة- كما اعترفت هي فيما بعد- أن شخصية هيرميون غرينجر أحد أضلاع ثلاثي الأصدقاء الشهير في سلسلة هاري مستوحاة من شخصيتها نفسها!

محاولة الإنتحار

حياة ج. ك. رولينج مؤلفة هاري بوتر

عندما تخرجت في الجامعة عام 1986، وحصلت على ليسانس دراسة اللغة الفرنسية عملت كمترجمة في منظمة العفو الدولية، وهناك بدأت تطلع على ثقافات، وترى أشكالًا من الظلم، وخصوصًا في بلدان العالم الثالث.

لكن حياتها تغيرت تمامًا عندما ذهبت للبرتغال، وهناك قابلت زوجها الأول، لكن الحياة لم تدم بينهما، وصارت عنيفة وغير محتملة؛ لدرجة أنها احتمت بالسفارة البريطانية هناك، ويبدو أنه كان يعاملها بعنف جسدي.

عندما عادت فُجعت بموت أمها بالمرض السابق ذكره، وكانت علاقتها مع والدها سيئة جدًا، لدرجة أنها لم تعد تكلمه منذ 2003، وحتى الآن. في تلك الأثناء، كانت جوان ممزقة، بين ما يفترض وما تحب أن تكون، وبالتالي بعد أن خسرت أمها، وزواجها، وصارت مدقعة، قررت أن تتبع قلبها، وتكتب.

وماذا عن أفكار الانتحار، والموت التي جالت بخاطرها؟ الحقيقة أن هاري بوتر أنقذها من نهاية أخرى، ربما قد تكون مأساوية. من يعرف؟

كتابة الجزء الأول من السلسلة

شرعت جوان في كتابة الجزء الأول من سلسلة (هاري بوتر)، والتي سيُقدر لها أن تكون الأشهر في العالم. لكن هل تمَّ هذا ببساطة؟

لا، في الواقع. كانت المطلقة الحزينة، تعيش مع أختها، وكانت تحمل ابنتها على كتفها، أو على مقعد، تجول بها في الشوارع، تعيش على إعانات الدولة التي تقدمها لها، وكانت تقتنص فترات الراحة في عملها البسيط من أجل أن تكتب، حتى أنها كانت تكتب أحيانًا على الأوراق القديمة، أو على المناديل الورقية.

كانت متحمسة، وعالم هاري بوتر يتشكل في ذهنها على مدار سنوات، والحقيقة أنها وضعت الكثير من المعاناة التي مرّت بها في الرواية، وكان من ضمن هذه الخسارات والمآسي: فقد هاري بوتر لوالديه. كانت رولينج قد جربت الفقد، وترك طعمًا مريرًا على لسانها، ووجعًا مقيمًا في قلبها.

كيف حولت رولينج كل هذا الألم لسلسلة هي أنجح السلاسل على وجه الأرض حتى الآن؟

نحن الآن في عام 1996- أي مرت ست سنوات على بزوغ فكرة هاري بوتر في ذهنها-، وقد بلغت جوان إحدى وثلاثين عامًا من عمرها، ومعها مخطوطة روايتها التي تبلغ 220 صفحة (ما يتجاوز 76 ألف كلمة بقليل)، وتقدمت لاثنتي عشرة من دور النشر، ولم تُقبل.

هنا يأتي دور دار النشر Bloomsbury ، والتي كان الناشر يخبرها بإحباط أنه لا أحد يشتري هذه النوعية من الروايات. الطريف في الأمر أن ابنته هي من حسمت قرار قبول المخطوطة؛ فقد قرأت الفصل الأول، وأعجبها.

أعتقد- لستُ متأكدًا في الواقع- أن نفس القصة تكررت مع جون تولكين مبدع الهوبيت، وسيد الخواتم، والأطرف أن تولكين نفسه كان من أساتذة جوان، والذي كانت تحب القراءة له.

أعطاها الناشر ألفين وخمسمائة إسترليني، لكن مع شرط سخيف قد وضعه، وهو تغيير اسمها، وكانت حجته أن الطفل لن يقرأ رواية كتبتها امرأة!

اضطرت جوان- آسفة- لكي تختصر اسمها؛ فبدلًا من جوان صارت جيه/ J ، ثم وضعت كيه/ K، وهو أول حرف في اسم كاثلين، والتي كانت جدتها لأبيها، ثم رولينج. وفي 26 يونيو 1997، صدر” هاري بوتر وحجر الفيلسوف” في المملكة المتحدة.

كما عرفت مسبقًا لم يحقق الكتاب نجاحًا في البداية، وقد طرحت دار النشر خمسمائة نسخة فقط للبيع، وخمسمائة أخرى للمكتبات، وها هي ذي كما رأيتها في بداية هذا المقال، جالسة توقع كتابها الأول، ولم يحضر إلا قلة فقط.

الآن، تأمل معي هذه المفارقة:

جوان، امرأة مطلقة، فقيرة، تعيش على الكفاف، مع أختها، وحينما تفكر خوض مجال الكتابة؛ تقرر كتابة سلسلة مكونة من 7 كتب. لماذا تغامر في دخول مغامرة صعبة كهذه؟ مرة أخرى: لأنها تبعت قلبها وشغفها، وماذا يفيد المرء لو كسب العالم وخسر نفسه؟

أنا متأكدة من أننى لن أحقق نجاحا فى حياتى كنجاحى فى #هارى_بوتر . لايهم كم من الكتب اكتب ولايهم كم تكون جيدة او غير جيدة . المهم عندى وبكل ثقة هو اننى راضية وسيوجد من لايصدقنى وهذا غير مهم، ولا اعنى بهذا التعالى ابدا . كل كاتب يفضل النقد الجيد على النقد السىء وكل كاتب يتمنى الوصول الى العدد الأكبر من القراء وان لم يحصل ذلك ..حسنا ! عندها لن افقد اعصابى بل سأواصل الكتابة. ج.ك.رولينج

قرر مجلس الفنون الأسكتلندي أن يعطيها منحة؛ حتى تواصل الكتابة. وبدأت سيرة هاري بوتر تترسخ في الوجدان ببطء. نجاح راح يكبر، ويكبر، ويحقق العديد من الجوائز، ويلفت الانتباه، حتى تجاوزت سمعة الكتاب المملكة المتحدة، ووصلت إلى دار النشر الأمريكية المعروفة: سكولاستكScholastic ، والتي اشترت حق طباعة الرواية ونشرها بمبلغ كبير، سيكون به حل مشاكل جوان المالية.

لكن سخافات دور النشر لا تنتهي؛ فقد طلبت سكولاستك تغيير اسم الكتاب إلى” هاري بوتر وحجر الساحر”، وكان في رأيهم أن هذا العنوان جذاب وتجاري، وهو ما لم تحبه جوان. وطبعًا تم تغيير بعض الكلمات البريطانية إلى لما يقابلها في الأمريكية. وصدر الكتاب بالفعل عام 1998، وحقق نجاحًا مذهلا غير متوقع بالمرة.

الحقيقة لا داعي لذكر تفاصيل نجاح السلسلة؛ فسوف نغرق في قائمة هائلة من الأرقام الخيالية؛ لكن يكفي القول أن السلسلة صارت حدثًا أدبيًا لم يتكرر على مدار التاريخ، حيث حققت مليارات الدولارات، وتضاعف هذا النجاح عندما تحولت السلسلة على يد شركة وارنر بروس إلى سلسلة سينمائية ناجحة جدًا، تعد من أجمل سلاسل الأفلام حتى الآن.

جوان العزيزة صارت أغني من ملكة بريطانيا، وتحولت إلى أيقونة للأدب، وعلامة هاري بوتر التجارية صارت بالمليارات، يدرس نجاحها في الجامعات، وهناك الكثيرون لا يفهمون حقيقة كيف نجحت جوان في ذلك؟

لكن المهم أن نجاحها كانت فاتحة خير على أعمال فانتازية أخرى تدور في ذات العوالم، ونجاح روايات أخرى من تصنيفات مختلفة.

هاري بوتر والأمير الهجين
اصطفاف القراء أمام أحد محلات بيع الكتب في منتصف الليل انتظارا لصدور نسخة (هاري بوتر والأمير الهجين Harry Potter and the Half-Blood Prince)

تأليف عمل آخر باسم مستعار

الطريف أن جوان قامت بتأليف سلسلة جديدة تدور في أجواء الجرائم والتحقيقات، عن مخبر بريطاني أعرج ُيدعي سترايك، وقد قدمتها باسم مستعار، ربما لكي تجيب على سؤال كان يؤرقها: هل هي موهوبة بالفعل، أم أنها ضربة حظ غامضة؟ أو ربما لكي تستمتع ببدايات النجاح الأولي، بعيدًا عن ضجيج الشهرة ومتاعبها … ربما!

المهم أن السلسلة حققت نجاحًا معقولًا، قبل أن يكتشف أحدهم الحقيقة، عبر برنامج حاسوبي قام بعمل مقارنة؛ ليتوصل لهوية الكاتب الحقيقي، وطبعًا فور أن عُرفت هويتها ككاتبة لسلسلة تضاعف نجاحها، وتحولت لمسلسل بريطاني مؤخرًا.

ثم عادت جوان لعالم هاري بوتر من خلال” هاري بوتر والطفل الملعون”، وهي تحكي قصة ما بعد انتهاء هاري من معركته الرهيبة مع سيد الظلام، لكن هذه المرة على هيئة نص مسرحي مكتوب، وبالمشاركة مع آخرين.

بغض النظر عن سبب نجاح جوان كاثلين رولينج؛ فإننا نتعلم منها كيف نطارد أحلامنا، وتغذي شغفنا بما نريده، دون أن نكترث برأي الآخرين فينا.

وسواء أحققنا نجاحًا مذهلًا أو معقولًا؛ فسعادتنا بأن نكون كما نحب أن نكون؛ هي الأهم، وربما هي الجائزة الكبرى التي تستحق كل هذا التعب والجهد.

أقرأ أيضاً:

الوسوم

ِعارف فكري

روائي، ومدوِّن، يكتب روايات الفانتازيا والخيال العلمي والرعب، وكذلك يهتم بإتاحة رواياته بشكل إلكتروني للقرّاء المهتمين بتلك النوعية من الأدب. صدر له : مخلب القرد الأحمر، حافة الأبدية، طيف من أهوى، قلب نصف معتم، مطلوب عريس غير ممل، سرٌّ إذا سرى، أيضاً كتب فى العديد من الصحف والمواقع؛ مثل بص وطل والدستور وإسلام أونلاين وفرصة باقية.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. المقال رائع وأسلوبك أروع يا أستاذ عارف، والقصة مؤثرة تتناغم فيها فكرة الإصرار على النجاح مع مشاعر التعاطف تجاه الكاتبة.

  2. ما خرجت به:

    1 – اغتنام وقت الفراغ مثل وقت الراحة في الكتابة لأن الوقت يمر دون أن ينتظر أحدًا.
    2 – كتابة الأفكار التي تطرأ على الذهن بسرعة لأن تأجيل كتابتها قد يؤدي إلى نسيانها كذلك لسهولة الرجوع لها عند الحاجة إليها.
    3- ما دام الكاتب مقتنعًا تمام الاقتناع بأهمية ما كتبه فإنه سيعرف حتمًا طريقة خروجه إلى النور سواء كان ورقيًا أو إلكترونيًا أو حتى الإثنان معًا.

  3. مقال رائع من زاويتين؛ زاوية المحتوى والموضوع التحفيزي المقدم، ثم زاوية العرض الشيقة وأسلوب الكتابة غير النمطية وهو ما يحبه القراء اليوم. كل التوفيق لك على عرضك الشيق الذي زاد من أهمية الموضوع وهو ما يعكس جمالية التكامل بين الشكل والمضمون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق