تنمية الذات

تظاهــــــــر بالنجــــــــاح …حتى تحققــــــــــه

تتكون رقعة الشطرنج من 64 مربع و 32 قطعة بواقع 16 قطعة لكل لاعب, كل قطعة من هذه القطع لها وظيفة استراتيجية ونقلة تكتيكية تختلف بالكلية عن وظائف وحركات القطع الأخرى, وعلى لاعب الشطرنج المحترف أن يتعامل مع كل هذه القطع والمربعات في آن واحد, فهو يحرك ما يملكه من قطع ويديرها من أجل القضاء على ملك الخصم المستبد, أيضاً هو يراقب قطع الخصم وتحركاتها حتى لا تهاجمه وتسقط نظامه, وبجانب كل هذا فهو يهتم ويولي الكثير من الانتباه إلى المربعات ال 64 جميعها, فيحتل منها ما يعزز موقفه وينسحب من التي قد تهدد أمنه واستقراره وسلامة أراضيه.

كيف تنج في حياتك
كيف تنج في حياتك

لاعبون الشطرنج المتمرسون لا يشعرون بأي تعب أو ملل من كثرة القطع وتنوع نقالاتها و الأهمية الاستراتيجية لكل مربع, فهم يلعبون باستمتاع , بخلاف المستجدون في اللعبة الذين تضيق صدورهم وسط كل هذا الكم من القطع والمربعات حتى أنهم في كثير من الأحيان لا يحسنون التصرف أثناء المعركة, فيصيبهم الوهن والصداع والملل والشعور بالاختناق, وسرعان ما يطلقون هذه اللعبة الكئيبة بالثلاثة ويتخذون من قطعها موقفاً سلبياً إلى الأبد, ويتحولون بعد ذلك إلى أي لعبة أخرى بديلة تكون سهلة ورشيقة وخفيفة الظل, مثل الديمونو أو الطاولة أو كيكا عالعالي.

والسؤال هنا:

لماذا يشعر لاعب الشطرنج بالمتعة أثناء اللعب, بينما يشعر المبدئ بالملل والضيق؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال دعونا نمر على الافتراض التالي:

ماذا لو كانت رقعة الشطرنج تتكون من 300 مربع وليس 64؟ وأن عدد قطعها كان 130 بدلاً من 32 ؟

هل سيكون بمقدور الإنسان حينئذ أن يتعامل مع كل هذا الكم من المربعات والقطع؟

والإجابة هي: نعم

يستطيع الإنسان أن يستمتع بلعب الشطرنج مهما زادت مربعاتها وقطعها, ويستطيع أيضاً أن يتعامل مع لوحة مفاتيح الكمبيوتر مهما تضاعفت مفاتيحها, ويستطيع تعلم أي لغة مهما بلغ عدد حروفها, وأي مهارة مهما كانت صعوبتها, فعقل الإنسان لا يعلم حدود قدراته سوى الله سبحانه وتعالي.

يقول ماكسويل مالتيز مؤسس علم السيبرنطيقا النفسية, أن الإنسان يدار بواسطة عقلين, الأول هو عقله الواعي والثاني هو عقله اللاوعي, وقد شبه مالتيز العقل الواعي بالراكب, والعقل اللاوعي بالحصان, فالراكب عليه أن يقود الحصان إلى نقطة معينة عدة مرات وبعد ذلك يستريح و يترك الأمر للحصان في أن يتحرك كيفما يشاء, فهو الذي يسير بنفسه في الدروب المختلفة إلى أن يصل إلى النقطة التي إعتاد أن يصل إليها كل مرة, ولو  حدث و قام الراكب بتغير وجهة الحصان لنقطة أخرى فإنه يجد صعوبة كبيرة في إقناع الحصان بهذا الأمر الجديد.

اقرأ أيضاً:   تعلم أي مهارة مهما كانت صعبة في 5 دقائق فقط

من هذا الكلام ندرك أن:

أي مهارة نتعلمها في البداية بصعوبة وبضجر لكن بعد ذلك تتحول إلى هواية لا غنى عن ممارستها, وسبب التعب الذي نشعر به مرجعه إلى أن العقل الواعي هو الذي يدير عملية التعلم في البداية لذا تشعر بالتعب, لكن مع مرور الوقت وتكرار عملية التعلم عدة مرات فإن العقل اللاواعي (الحصان) يسجل هذه الخطوات في ذاكرته ويتشربها مما يجعل العقل الواعي يتنازل له عن هذه المهمة للأبد, , من هنا نكتشف سر عدم شعور لاعب الشطرنج المحترف بالملل أو التعب الذي يشعر به المبتدئ, وذلك لأن اللاعب المحترف يلعب بعقله اللاواعي, أما اللاعب المستجد فيلعب بعقله الواعي, ويحدث هذا في كل عملية تعلم لمهارة جديدة, فمن يستخدم لوحة المفاتيح أو من يقود السيارة أو من يتحدث الإنجليزية بطلاقة أو من يحترف الكتابة والتأليف أو من يصمم المواقع يشعر بتعب وإعياء في بداية ممارسته لهذه الأشياء إلى أن يسلم عقله الواعي مهمة التعلم إلى العقل اللاوعي وبعد ذلك لا شعور بالتعب أو الملل أو الضيق.

العقل اللاوعي (الحصان) لا يحلل البيانات والأوامر التي يتلقاها من العقل الواعي (الراكب), ولا يهتم بمنطقية أو لا منطقية الأشياء التي يستقبلها, فهو يتقبل أي معلومة تأتي له من العقل الواعي (الراكب) على ماهيتها, سواء أكانت هذه المعلومة منطقية أو غير منطقية, حقيقية أم خيالية, معنى هذا الكلام أنك لو حاولت تعلم أحد المهارات وفشلت في ذلك من المرة الأولى وأقنعت نفسك بأنك لا تملك القدرة على تعلم هذه المهارة, فأن عقلك الواعي يخبر عقلك الاواعي بأنك غير قادر على تعلم هذه المهارة, وبناء على ذلك إذا حاولت تعلم هذه المهارة مرة أخرى فأن عقلك الواعي يجعلك تشعر بالملل والنفور من تعلم هذه المهارة, وستتجنبها إلى الأبد, فمثلاً لو أقنعت نفسك ” أنك لا تحسن التعامل مع الجنس الأخر” لأنك مررت بتجربة واحدة سلبية من قبل في حياتك مع الجنس الأخر, فإن عقلك الواعي يلقن عقلك اللاوعي هذه المعلومة, وبعد عدة مرات من تلقي الحصان لهذه المعلومة فأنه يتعامل معها على أنها حقيقة مطلقة فيجعلك تخجل من الجنس الأخر أو تخاف من التعامل معهم وكأنهم مخلوقات غريبة جاءت من كوكب آخر. لذا عليك أن ترغم عقلك الواعي أو الراكب بأن يعطي أوامر إيجابية لعقلك اللاوعي أو الحصان لكي يمكنك الأخير من النجاح في حياتك, فلو مررت بتجربة فاشلة في حياتك, لا تقنع نفسك بأن الفشل أصبح صفة متأصلة فيك حتى لا تتأصل فيك بالفعل.

اقرأ أيضاً:   دراسة شاملة عن فن الخطابة أو التحدث أمام الجمهور - ج2

لاكتساب صفة إيجابية أو لحذف صفة سلبية من عقلك اللاوعي, مارس التمرين التالي 15 دقيقة يومياً لمدة 4 أسابيع, حدد الصفة التي تود اكتسابها أو حذفها, استرخ جيداً, أغمض عينيك, تخيل أنك تحذف القناعة السلبية التي سيطرت عليك واستبدلها بالصفة الإيجابية, عيش بخيالك كل التفاصيل الإيجابية وكأنها تحدث بالفعل في الواقع, فمثلاً تخيل أنك تتحدث الإنجليزية بنفس نبرة صوت مذيع إحدى النشرة الأخبار الإنجليزية, تخيل أنك أنت هذا المذيع, مارس هذه العملية عدة مرات, وبعد مرور المدة المحددة ستجد في نفسك رغبة عارمة في التهام أي كتاب إنجليزي أو أي مادة تعليمية تقع في يديك, ستتعلم بلا تعب ولا عناء, لأن في كل مرة تقوم بذلك فأنك عقلك الراكب يعطي الأمر للحصان بأن يكون إيجابي, وبعد مرور ثلاثة أسابيع تصبح الإيجابية عادة متأصلة فيك, وبهذه الطريقة تستطيع أن تقول بكل ثقة لجميع المواقف السلبية والتجارب السيئ التي مررت بها في الماضي:

CHECKMATE

كــــــــــــــــــــــــش مـــــــــــــــــــــــــــــات

الوسوم

حسن محمد

مترجم فوري، عمل لدى العديد من كبرى الشركات والمنظمات العالمية من أهمها شركة تيتان الأمريكية، بي سي آي اليابانية وشركة قطر للبترول القطرية، شرع في التدوين في عام 2008 كهواية ومع مرور الوقت اكتسب خبرة في مجال التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية copywriting ومن ثم تحولت الهواية إلى مهنة مستقلة تهدف إلى تقديم الجودة والاحترافية في مجال التسويق الالكتروني وبخاصة في مجالي التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية، يعمل معه الآن فريق عمل محترف من المترجمين والمسوقين الإلكترونيين.

مقالات ذات صلة

10 آراء على “تظاهــــــــر بالنجــــــــاح …حتى تحققــــــــــه”

  1. عزيزى حسن ، أكثر شىء يدل على قوة العقل البشرى ما يحدث فى أكبر دولتين فى العالم من حيث عدد السكان : الصين والهند ، ففى الصين يمتلك رهبان التبت طاقة عقلية رهيبة ، وفى الهند يكسب فقراؤها قوت يومهم بواسطة هذه الطاقة ، والتدريبات التى تأتى أنت بها فى مدونتك ، هو ما يفعلونه رهبان التبت على الأرجح ، أو على الأقل صورة مصغرة منها .
    بالنسبة للشطرنج ، أدرى أنك ” أستاذ ” فيه ، لكننى أيضا أستاذ ، هل تعلم : أخى لا يهزمه فى بلدتنا الا أقل القليل وبعد معركة طويلة جدا ، علمنى الشطرنج ، عرفنى تحركات القطع وبعض الوظائف ، لعب معى أول مرة غلبنى بعد ( تقيطع المصارين ) ، والمفاجأة أنه فى ثانى مرة غلبته بسهولة جمة .
    وبالطبع لا أريد أن أريك مهاراتى ، لأننى فى العشر سنين الماضية ، منذ أن تعلمت اللعبة ، لم أقترفها الا بضع مرات !!! :):):)
    تحياتى .

  2. حسن ، هل تعرف هذه القصة ؟
    يحكى أنه فى الستينيات من القرن المنصرم، استيقظ أحد الاعلاميين الأمريكيين المشهورين جدا على كابوس قرب ساعات الفجر ، بعد منتصف الليل ، رغم أنه فى هذا اليوم كان قد حصل على جائزة فى الاعلام ( سأبحث لك قريبا عن اسمه ) المهم ، الكابوس كان عبارة عن واحد لم يتبين وجهه كان يطلب منه المساعدة بالحاح ،بعد قليل من الوقت تذكر أنه ناداه باسمه الغير رسمى ( الدلع / اللقب ) والذى لم يناديه أحد به من قبل الا زوجته وصديق عمره الوحيد ، بعد أن تذكر المكان الذى رأى فيه الحلم وسمع الصوت ، ذهب الى هناك رغم اثناء زوجته ، ذهب الى هناك وجد صديق عمره موجود بعربته والتى كانت مقلوبة ، انها حادثة اذن .
    فى المستشفى قال الطبيب ، لو كنت تأخرت ربع ساعة أخرى لكان موت صديقك محتم .
    أما عن المعلقين والعلماء فقال معظمهم أنه التخاطر ، كان الصديق فى موقف لا يحسد عليه ، ولم يكن له من بد الا أن يتمنى أن يأتى صديقه وينقذه ، التمنى تحول أتوماتيكيا الى اشارات ، وصلت الى عقل الصديق الاعلامى ، وكان فى حالة استرخاء شديدة ( النوم ) وهى حالة مثالية مكنته من استقبال الموجات التى أرسلها عقل صديقه .
    نبيل فاروق يقول : ربما كان التخاطر موجودا عن الانسان القديم ، لكنه فقد بعض مما فيه بعد تعبيد الطرق ووسائل المواصلات ومن ثم وسائل الاعلام والاتصال ، كلاما يبدو منطقيا ، لكنه ليس مرتبا ، تحياتى .

    1. أخي محب
      أولاً أشكرك على التعليق الرائع والمفيد
      بخصوص التخاطر قد قرأت عن هذا الموضوع كثيراً ولا أنفي وجوده في الواقع فهناك أناس لهم قدرات يعلمها الله, لكن السؤال هل هذه القدرات فطرية أم مكتسبة, أي يمكن تعلمها ومعرفة أسرارها أم هي فقط موهبة رزقها الله لأناس محددين, أنا في رأي أن قدرات العقل البشري غير محدودة وما يفعله شخص ما يستطيع شخص أخر فعله, إذا ما تعلم ودرب نفسه باستمرار.

      بخصوص الشطرنج, فأنا مثلك تماماً منذ فترة طويلة وأنا منقطع عن الممارسة, لكن في كل الأحوال حتى وأنا ضعيف أستطيع أن أهزمك شر هزيمة!!!

      تحياتي

  3. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    لي سؤال هل عند الانسان عقلين ام انه يعيش بشخصيتين
    ارجو الاجابة ولكم حلو الشكر علي هذه البلوجراية الجميلة
    وسلام الله عليكم

    1. أخي عبد الله
      شكراً على مرورك الكريم
      لم أقصد ان الإنسان له شخصيتين ولم أذكر ذلك على الإطلاق, بل قلت أن له (عقلين) الوعي واللاوعي وأرجو الإنتباه هناك فرق كبير بين أن يكون للإنسان (عقلين) وأن يكون له (مخين) فالإنسان له مخ واحد فقط, لكن له عقلين داخل مخه, وهذا المعلومات مبرهن عليها فسيلوجياً ونفسياً. فالعلماء يقولون أن مركز العقل الواعي يعمل في الحزء الأيسر من المخ, والعقل اللاواعي يعمل في الجزء الايمن منه.
      تحياتي

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    فى كل مرة ادخل إلى مدونتك أعود منها محملاً ببعض الزاد المعين على تحمل بعض العناء
    وفى هذه المرة أعود ومعى صيد ثمين أسأل الله تعالى أن ينفعنا به
    وان يجزك عنا خير الجزاء

    تقديرى واحترامى

  5. مندو وقت قصير اشتركت في المدونة , وكاني أسترجع أفكاري ولكن بطريقة مرتبة ,, اعتقد ان هد الموقع جيد لمن يبحث عن تحقيق أهداف طالماأشتغل بها فكره ,وابعدته ظروفة ,الشكر الجزيل لصاحب المدونة وبارك الله له.

  6. إن هذا مايسمى بالتخاطر (وهو نقل المعلومات من عقل إلى اخر ) ولقد حدث مع الخليفة عمر بن الخطاب عندما ارسل جيش لمحاربة الفرس ولقد عجز جيش الفرس من هزيمة المسلمين لأنهم كانوا يحتمون بالجبل فأعد الفرس خطه لسحب المسلمين عن الجبل فتظاهروا بالانسحاب ليلحق بهم المسلمين وكان قائدهم أنذاك سارية بن حصن رضي الله عنه فلحق المسلمون بهم وفي الوقت نفسه كان الخليفه ابن الخطاب يخطب خطبة الجمعة واثناء خطبته تكلم بأعلى صوته ياسارية الجبل الجبل ثم واصل خطبته وحين سأله علي رضي الله عنه عن سبب ذلك قال لقد رأيت العدو يريد أن يطوق المسلمين فناديت على سارية ليلزم الجبل وحين عاد سارية إلى المدينة سأله الصحابة عن ذلك فقال سمعت صوت أمير المؤمنين يناديني بأن التزم الجبل فنجاني الله ومن معي من المسلمين .
    الشكر موصول لصاحب المدونة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *