سيناريوهات استجابة الدعاء

لي صديق قصير جداً, وكان قصر قامته هذا يسبب له متاعب نفسيه جمة في مرحلة المراهقة, حتى أنه صارحني في تلك الآونة بمتاعبه وأبلغني أنه يدعو الله كثيراً وبإخلاص لكي تتطول قامته بضعة سنتيمترات, وعندما سألته لماذا تريد أن تطول؟, أجاب قائلاً: أريد أن أتزوج عن حب ولا توجد واحدة تحب شخص قصير, وأريد ان أكون محترماً وسط الناس وأغلب الناس يستخفون بالقصير ويتهكمون عليه.

فهل أفاد الدعاء صديقي هذا؟ هل طالت قامته بفضل الدعاء؟ سنعرف الإجابة من خلال هذا المقال إن شاء الله..

لا أحد فينا يعلم حكمة الله في كل ما يجري لنا من محن في حياتنا, حتى الأنبياء أنفسهم كانوا لا يعلمون خطط الله وحكمته في معظم ما كان يحدث لهم من محن وابتلاءات, فنبي الله أيوب لم يكن يعلم ما هي حكمة الله في إصابته بهذا المرض العضال, ونبي الله يعقوب لم يكن يعلم حكمة الله من وراء ضياع ابنه يوسف منه سنين طوال, ونبي الله ابراهيم لم يكن يعلم حكمة الله حينما أمره بأن يترك ابنه اسماعيل وزوجته في صحراء قاسية جرداء, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم السر من وراء الابتلاءات والمحن التي تعرض لها في نفسه واهله واصحابه حتى أنه قال ذات مرة “إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي“.

لم يبلغني أحد بسيناريوهات الله في استجابة الدعاء, ولا يمكن لي وانا العبد الضعيف أن احيط بكل قدرات الله وحكمته, لكن من خلال تدبر نفسي وتدبر قصص من أعرفهم أو من قرأت عنهم, يمكنني أن اذكر عدة سيناريوهات لاستجابة الله للدعاء.

أي دعاء يدعو به أي إنسان سواء أكان هذا الإنسان مسلم أو غير مسلم يجيبه الله للعبد, وذلك لأن الله خلقنا جميعاً وتركنا في هذه الارض ولا يمكن أبداً أن يغفل عنا ويتركنا نعاني منفردين في الحياة, أيضاً وعدنا الله بالاستجابة في جميع كتبه, الم يأمرنا جل شأنه قائلاً “وقل ادعوني أستجب لكم”؟

عزيزي القارئ لا تصدق أي أحد يقول لك أن الدعاء يحتاج الى كلام منمق حتى يأتي بالنتيجة المطلوبة, لا تصدق من يقول لك أن لي وصفة في الدعاء لا تخيب, لا تصدق من يقول لك أن الله قد لا يجيب دعائك في الدنيا لكن بدلاً من ذلك يرفع عنك مكروهاً كان سيحل بك أو أنه بدلاً من الإجابة يدخر لك الدعاء كأجر يوم القيامة, مثل هؤلاء يبررون لله وهو ليس بحاجة الى تبريرهم جلت قدرته, هو رحيم وكريم وقدير ولا يمكن أن يساومك أبداً, سيجيب دعوتك وسيرفع عنك المكروه وسيدخر لك أجر الدعاء في الأخرة في نفس الوقت.. ولما لا وهو الغني الحميد…

ان الله لا يريد منا سوى قلب ممتلئ باليقين, فاليقين هو كلمة السر في استجابة الدعاء, اليقين أن هناك خالق قادر على تحقيق ما لا يستطيع أحد تحقيقيه, البكاء أثناء الدعاء قد لا يكون سببه الخشوع أو الخشية من الله, بل قد يكون سببه أن الإنسان قد صعبت عليه نفسه حينما تعرض لما هو فيه من كرب, لكن اليقين الدائم المستمر هو الذي يحقق الخشوع الحقيقي, اليقين هو السبب في استجابة أي دعاء, ادعوا الله وانتم موقنين بالإجابة.

قد يقول قائل طالما أن الله تكفل بالإجابة على الدعاء فلماذا ندعو الله كثيرا ولا يستجاب لنا, ولماذا نرى كثيراً من الفقراء والمرضى والعجزة يدعون الله لكن لا يستجاب لهم؟, لماذا يظل الفقير فقيراً .. والمظلوم مظلوماً .. والمبتور مبتوراً .. والمتكبر فرحاً فخوراً؟

النظر الى الأخرين والإسقاط عليهم هو أفة الخلق, من الأفضل في علاقتك بالله أن تركز على نفسك أولاً ولا تنظر الى الأخرين, فقد يكون العجزة والمساكين راضون عما بهم, قد يكون بينهم وبين الله وصل لا تدركه أنت لأنك لا تتطلع عما بداخلهم, قد يكون الظالم المنعم اليوم يعاني مرض لا يعلمه أحد, قد يكون غير سعيد في حياته الزوجية, قد يكون محبطاً نفسياً, لذا من الأفضل أن تركز على نفسك فقط, وأن تسقط على نفسك فقط, فأنت الوحيد بعد الله عز وجل القادر على الحكم عما بداخلك وليس عما بداخل غيرك, فهل دعوت الله يوماً ولم يستجب لك؟ لا تنظر الى الدعاء الذي تدعوه الآن وتقول لم يجيبه الله, فدعائك الذي تدعوه اليوم قد يستجاب غداً أو العام القادم أو بعد عشر سنوات, المطلوب منك أن تفتش في ذاكرتك وتتذكر دعاء قد دعوته الله في الماضي وأجب بصراحة هل استجاب الله هذا الدعاء أم لا, لكن قبل أن تجيب عليك أن تتأمل وتتعرف على بعض سيناريوهات استجابة الدعاء التي أعدها الله لك, واليك بعضها:

قد يكون الله قد استجاب دعائك لكنك تنسى

“إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء”, الشيطان ينسيك أن الفضل الذي أنت فيه اليوم كان نتيجة دعوة دعوتها في الماضي, فينسيك فضل الله واستجابته لدعائك ويجعلك تتنعم وتنغمس في النعمة التي أنت عليها الآن, ايضاً قد يقول لك الشيطان موسوساً أن ما تحقق لك من نعمه لم يكن استجابة لدعائك, بل كان نتيجة طبيعية لمجهودك وقدراتك العقلية والذهنية, وأن دعوتك التي دعوتها ما كانت لتتحقق لو لم تأخذ بالأسباب الدنيوية. فاسأل نفسك كم دعاء أجابه الله لك؟

قد يكون الله قد استجاب دعائك لكنك لا تدري

قد يجيب الله دعائك وأنت لا تدري, فصديقي القصير الذي ذكرت قصته في أول المقال لم يطول فيزيائيا, لكنه طول معنوياً, فبعد مرور سنين طويلة احب فتاة وأحبته ايضاً تلك الفتاة حتى أن الاخلاص الذي كان بين الاثنين كان يدركه الجميع ممن حولهم, وبعد ذلك منى الله عليه بوظيفة جعلته ينخرط في الكثير من الاعمال التطوعية والخيرية حتى أن سيرته العطرة صارت ترددها كل الألسنة, وصار مقدراً محترماً من الجميع, وتراه يسير وسط الطوال وكأنك تراه أطول منهم جميعاً بعلو شأنه. ذكرته يوماً بدعائه وما صارحني به في الأيام الخوالي, فابتسم وهو ينظر الى الأفق متدبراً وبعد ذلك تمتم قائلاً ” سبحان الله” وصمت بعد ذلك طويلاً…

قد يكون الله قد استجاب دعائك لكنك لم تفقه

ما تعتقد أنه ابتلاء اليوم قد يكون هو عين الإجابة وأنت لا تدري, ولا تنسى قصة عماد عبد الحميد التي ذكرتها من قبل في هذه المدونة (يمكنك قراءتها من هنا), فقد كان الفتى يحلم بالالتحاق بكلية معينة تحقق له ولوالديه الفقراء مكانة اجتماعية رفيعة ومال يريح به والده من عناء العمل اليومي, لكن بالرغم من أنه أخذ بالأسباب واجتهد وجد في عمله وأخلص في الدعاء, إلا أنه التحق بكلية متدنية المكانة والسمعة أو هكذا اعتقد, لكن بعد مرور أربع سنوات تم تعيينه معيداً في هذه الكلية وحصل على الدكتور في وقت وجيز, وأصبح دكتوراً جامعياً يشار اليه بالبنان, وحقق المال والسمعة لنفسه ولعائلته, من هذه القصة نعلم أن الله قد حقق الهدف من الدعاء وكان عماد يعتقد في بداية الأمر أنه لم يستجب.

لماذا يفعل الله بنا هكذا؟ لماذا لا يجيب معظم دعواتنا مباشرة؟

الله قدير وحكيم وعادل, لكننا لا نعلم ولا ندرك مدى قدرته وحكمته وعدله, فنحن نعلم يقيناً أننا لا نعيش في هذا العالم بمفردنا, فهناك خلق كثير من صنع الله ومسئولين منه, وكل مخلوق له دعواته ورغباته واحلامه, وقد تتداخل دعواتك مع مصائر ورغبات أناس آخرين, لذا فقدرت الله التي ليس لها مثيل تكمن في أنه قادر على استجابة دعائك, وقادر في نفس الوقت على الحفاظ على مصائر و مطالب الآخرين, لذا قد يتأخر عليك الدعاء, أو قد يأتي لك في صورة غير التي كنت تتوقعها, فنبي الله يعقوب ظل يدعو الله أن يرد اليه ولده “يوسف” سنوات طوال, لكن الله استجاب له بعد حين من الدهر, وذلك لأن دعوة يعقوب كانت متداخلة مع مصير أبنه يوسف ومع أولاده (بنو اسرائيل), فماذا كان يحدث لو أجاب الله دعوة “يعقوب سريعاً”؟ لو كان حدث هذا, لما ملك يوسف خزائن الأرض, ولما هاجر بنو اسرائيل وعاشوا في مصر سنين طويلة, وما كان لنبي الله موسى أن يولد في مصر بعد ذلك بمئات السنين ليدعو فرعون الى طريق التوحيد والإيمان. قدرة الله جعلت دعاء يعقوب يتحقق لكنه في نفس الوقت لم يأثر على مصالح ومصائر يوسف واخوته ونسلهم.

عزيزي القارئ, لا تكف عن الدعاء, ولا تنظر لغيرك وتقول لماذا لم يستجيب الله لهم, أدعو الدعاء بإخلاص ويقين وارفع يدك الى السماء واصبر وترقب الإجابة, لكن ركز جيداً قد تأتيك الإجابة بطريقة عجيبة لا تتوقعها, واعلم أنك لن تقابل الله يوم القيامة وأنت عليك ضده حجة أو شكوى, سيظهر الله لك نفسه وقدرته في حياتك.. حتى لا تتحجج..

“إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها, ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب, ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله, فأنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته” رسول الله صلى الله عليه وسلم..



أضف تعليق

11

تعليق
    1. عبد الهادي اطويل

      تدوينة استمتعت بها كثيرا، فجزاك الله عنا كل خير..
      حبذا لو تضيف أزرار المشاركة عبر الشبكات الاجتماعية حتى يتسنى لنا مشاركة تدويناتك القيمة..
      مع تحياتي الخالصة..

      1. أحمد سمير

        “حبذا لو تضيف أزرار المشاركة عبر الشبكات الاجتماعية حتى يتسنى لنا مشاركة تدويناتك القيمة..
        مع تحياتي الخالصة” ,, تماما هذا ما كنت اريد ان اقول (:

    1. ahmad hafeez

      تدوينة رائعة جزيت خيرا

    1. الاء احمد

      اناكان عندي امل في دعاء دعيتو لربنا.:).بالصدفه وانا داخله ع المدونه علشان دروس الانجليزي لقيت الموضوع ده فقراتو..زاداملي بنسبة 100%غير الي كان عليها ..انا مش عارفه اشكركم ازاي..((جزاك الله خيرا..))(من قال جزالك الله خيرا فقد ابلغ في الثناء)

    1. احمد العبيدي

      السلام عليكم… شكرا اخي حسن… تدوينة عظيمة جدا….اخرجتني من القنوط. واليأس… شكرا لك من اعماق قلبي مرة اخرى.

    1. Toufik

      المشكل يا اخي هو انه من عاش سنين الشقاء الطويلة هو يعلم ان الوقت الدي مضى لن يعود فمن حقه ان يياس لان السنين الباقية لن تكفيه و لن يعوضه عما فات ملؤ الارض جاها ومالا فقصة ايوب لن تتكرر بان عاد شابا لهدا ترى الناس تستعجل بالدعاء لان الوقت يمر بسرعة و لان احوال الناس ليست متماثلة و المجهود و المعاناة الدان بذلهما البعض لا يماثلان ما بذلة البعض الاخر و هنا ناتي الى قصة الشيخ العجوز الاستجيب لدائه حين صار عمرو ٩٠ سنة بان اصبح ثريا فاشترى بيتين احدهما على شاطئ البحر يمضي فيه ايام البرد القارص و اخر في الصحراء يمضي فيه ايام الصيف الحارة و عندما سئل لماذا اجاب بانه يستهزئ بها مثلمااستهزأت به

    1. abderahmane

      Merci mon frère c’est la vérité ( salam)

    1. hanene

      شكرا على المقالة الرائعة

    1. زهرة

      جزاكم الله خيرًا
      أرجو الانتباه إلى ضرورة الدقة في كتابة آيات القرآن الكريم:
      “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم”
      “الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء”

    1. زهرة

      وأرجو مراجعة ما كتبتم حول صور استجابة الدعاء بادخاره في الآخرة أو رفع سوء في الدنيا،
      فهذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ! قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ”. رواه أحمد ، وصححه الألباني.
      فقال “إحدى ثلاث” أي ليس بالضرورة أن تعجّل الدعوة

      1. نعم الحديث صحيح أختي الكريمة … لكن ما أفهمه من الحديث التالي:
        إذا تدعوت الله أن (تلتحقي مثلاً بكلية الطب) وأهدافك من هذا الطلب هو ( تحقيق المكانة المرموقة للطبيب في المجتمع) فربما يستجيب الله لك (بالمكانة الرموقة في المجتمع) لكن بدون كلية الطب، فهذه الحالة تم استجابة الهدف من الدعاء .. لكن الله بكرمة سيدخر لك أجر هذا الدعاء في الأخرة أيضاً (أي أنك ستحصلين على الحسنيين في الدنيا والأخرة)

كورس فلونت متاح الآن