دعوت الله ولم يستجب لي.. قصة عماد عبد الحميد الفتى الريفي المنصور بالله.

24163
مشاهدة

هل أنت موجود حقاً يا الله؟!

إن كنت كذلك…

فلماذا حينما دعوتك

ورجوت

وتوسلت

لم تستجب لي؟!

لماذا حينما سهرت, وأقمت, وصمت, وتدرعت

لم تستجب لي؟

أين الرحمة إذاً؟

أين الرحمة التي وعدتنا إياها؟

أين المحبة التي بشرتنا بها في كتبك؟

قد سألتك يالله بحاجة لي في الدنيا وبحاجة في الأخرة

وها أنت لم تجب لي حاجة الدنيا بعد أن ألححت وبح صوتي من الدعاء..

كيف لي بعد كل هذا أن أضمن أنك قد أجبت لي حاجة الأخرة؟

كيف أضمن أني بعد الاستغفار والصلاة والصوم

أنك ستغفر لي وتدخلني الجنة…

ما الذي يضمن لي أنك لن تفعل بي مثل ما فعلت بي في الدنيا

جينما دعوتك ولم تستجب لي…

لماذا خزلتني؟

لماذا هجرتني؟

لماذا تركتني؟

ينتابني شعور باليأس…

يراودني احساس غريب بأنك لن تجيب لي دعاء قط

لماذا لم تستجب دعائي يا الله؟

لماذا تركتني هكذا ممتلئ بالشك؟

هل أنت غاضب علي؟

لقد فتشت عما اقترفته في حياتي من ذنوب ومعاصي

فأنا كما تعلم

لم أكن يوماً بشارب خمر ولا بزان ولا بأكل سحت

لم أكن يوماً بعاق, أو حاقد, أو ناقم, أو حاسد, أو ظالم

أنت نفسك تعلم أني قد نشأت على طاعتك وما ارتكبته من معاص استغرك منه مخلصاً

إذا لم يبقى أمامي غير احتمال واحد

احتمال لا استطيع تصديقه…

لا استطيع التصديق بأنك غير موجود يا الله…

فالحياة من غيرك لا قيمة لها ولا هدف..

فعلت كل ما في وسعي للتخلص من هذا الشك الرجيم

ذهبت الى الشيخ الجليل

سألته..

يا شيخ..

دعوت الله ولم يستجب لي…

هل هو غاضب علي؟

ابتسم الشيخ ابتسامة ساخرة وقال لي وهو يعبث بلحيته الكثة…

هون عليك يا بني..

يستجيب الله الدعاء لكن أحياناً قد لا يستجيب لحكمة يعلمها هو

وعوضاً عن ذلك

– يرفع مكروه عنك

– يبدلك بما هو خير

– يدخر لك أجر الدعاء إلى الأخرة

أومأت برأسي كناية عن اقتناعي بما قاله الشيخ ثم تركته وانا غير مطمئن القلب مما قاله لي.

أليس الله بقادر على أن يستجيب لدعائي ويرفع المكروه في نفس الوقت .. اليس هو الكريم؟

اليس الله بقادر على أن يجعل الخير في دعائي .. اليس هو القادر والمقدر؟

اليس الله بقادر على أن يحقق لي أمنيتي في الدنيا ويدخر لي الفضل في الأخرة في نفس الوقت.. اليس هو المنان؟

طوال أربعة سنوات ظلت ثورة الشك هذه تسيطر على نفس عماد.. ولكي تعلم عزيزي القارئ ما السبب في هذا الذي حدث لعماد تعالى معي نتعرف على قصته..

قصة عماد عبد الحميد . الشاب الريفي المجاهد.. المنصور بالله!!!

كان حلمه أن يدرس في كلية الألسن قسم اللغة الإنجليزية وذلك لعدة أسباب:

– أنها كانت من وجهة نظره أفضل كلية وأفضل قسم يمكن أن يلتحق به طالب في القسم الأدبي.

– أن مستقبلها جيد ولا تحتاج الى وساطة حيث العمل يحتاج في المقام الأول إلى القدرات الشخصية فقط.

– أنها كلية متعددة الفرص, حيث يمكنه العمل كمترجم أو صحفي أو مدرس أو مدقق لغوي الخ

– أنها كلية ذات “بريستيج” عال وسمعة اجتماعية ممتازة.

من أجل ذلك أخذ عماد يدعو ربه ليل نهار لكي يحقق له أمنيته هذه.. وبالرغم من ذلك لم يغفل الاخذ بالأسباب, فراح يواصل الليل بالنهار في المذاكرة وتحصيل الدروس ما استطاع الى ذلك سبيلاً

كان عماد فتى متديناً تدين لا يعرف التشدد…

ومن أجل تحقيق هدفه زاد التزامه وتدينه..

فقد هجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن..

أقام الليل..

داوم على صوم الأثنين والخميس من كل أسبوع..

غض البصر…

دعى الله خوفاً وطمعا..

كان يطيل السجود آناء الليل مناجياً ربه قائلاً:

” يا ربي .. لا يعلم حالي سواك.. فأبي فلاح قروي فقير, اضاع عمره لكي يعلمني ويراني شخصاً مرموقاً بين الأكابر, فهو يعمل أجير طوال النهار ويعود الى المنزل في أخر اليوم خائر القوى, هل تسمع أنينه الآن وهو نائم يا الله؟, إنه يئن من كثرة العمل, يعمل جميع أيام الأسبوع لكي يوفر لي ما أحتاجه من مصاريف, يرفض أن يجعلني أعمل عند أحد حتى لا تهان كرامتي, وأمي تلك السيدة البسيطة التي لا هدف لها من الدنيا سوى أن تراني موظفاً كبيراً لكي تفتخر بي أمام جيرنها من النسوة.. تلك السيدة العظيمة التي كان حلمها الوحيد هو أن تراني موظف كبير وأشتري لها ثلاجة وغسالة وفرن كهربائي يريحها من دخان الفرن الطيني”

يا رب…

أسألك الآن برحمتك.. لا بعملي, بفضلك وبإحسانك لا بصومي وصلاتي ونسكي

يا رب..

ارفع شأن هذه الأسرة المسكينة بي…

يا رب أرفع شأني في الدنيا والآخرة لكي أحقق أمال أبي وأمي

أريد تعويضهما عما عاشاه من حرمان بسببي..

يا رب..

كما تعلم أنا الآن في السنة الأخيرة من الثانوية العامة, وهذه السنة ستحدد مصيري ومستقبلي, يا رب أرغب في دخول كلية الألسن قسم إنجليزي أو فرنسي, يا رب حقق لي امنيتي, يا رب أستجب لي بضلك يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين.

مرت الأشهر والأيام وانتهت الامتحانات وظهرت النتيجة, كان عماد على ثقة ويقين بأنه سيدخل الكلية التي طالما حلم بها من قديم, لكن حدث ما لم يكن مفرحاً أبداً .. فقد وجد عماد أن مجموعه الكلي جيد ويمكنه من الالتحاق بكلية الألسن.. لكن ليس قسم اللغة الانجليزية, ولا حتى الفرنسية, فمجموعه في اللغتين كان لا يكفي لدخوله أي قسم منهما.

ماذا سيفعل الآن؟

وماذا سيقول لوالده ووالدته؟

سأل موظف الكلية عن الحل وما هو القسم الذي يمكن أن يقبله؟

أجاب الموظف أنه لا يوجد أي قسم داخل الكلية يقبله سوى قسم جديد سيفتتح لأول مرة هذا العام وهو قسم ” اللغة الفارسية” قالها الموظف ثم نصح عماد قائلاً
” يا بني يبدو أنك من أسرة بسيطة مثلي, لذا نصيحتي لك أن تبحث عن كلية أخرى تأكل منها عيش فما الذي سيعود عليك من اللغة الفارسية وكيف ستعمل بها.. أحسن لك أن تقدم على تجارة أو آداب أو تربية أي كلية تأكل منها عيش والسلام”

سأله عماد عن عدد الطلاب الذي تقدموا بأوراقهم لهذا القسم.

فأجابه الموظف أن لا أحد تقدم الى هذا القسم حتى الآن

ظل عماد يفكر طوال اليوم في القرار الصائب..

أيهما أفضل الالتحاق بالكلية وبقسم اللغة الفارسية أم الذهاب الى كلية أخرى كما نصحه الموظف

وبعد تفكير عميق وحيرة طويلة امتدت لأيام

قرر عماد الالتحاق بقسم اللغة الفارسية بكلية الألسن…

لسببين الأول هو التفاخر بين الناس باسم الكلية العريق “الألسن”

والثاني لكي لا يدرك والده ووالدته أنه فشل في تحقيق هدفه..

فهما لبساطتهما لا يعلمان الفرق بين قسم اللغة الإنجليزية واللغة الفارسية المهم عندهما أن أبنهما قد نجح وحقق ما كان يصبو إليه (كلية الألسن)

مرت الأيام سريعاً ومرت الأشهر ثم مرت الأربع سنوات وأنتهى عماد من الدراسة وحصل على تقدير “جيد جداً”

لكن ماذا يفعل بهذا التقدير؟

ماذا سيفعل بهذه الفارسية؟

قرر عماد السفر خارج البلاد للعمل بأي مهنة يستطيع أن يجمع من خلالها مال يساعد بها والده الفقير الذي مازال يعاني في مصاعب الحياة.

وأثناء استعداده للسفر أتاه خطاب مسجل على البريد..

كان الخطاب من إدارة الكلية يخبروه أنه تم تعيينه معيداً بقسم اللغة الفارسية

لم يصدق عماد ما في الخطاب, فهو يدرك أنه بلا وساطة ووالده لم يكن من كبار العاملين في الكلية..

كيف حدث ذلك؟

استقل القطار.. وسافر الى القاهرة ليستطلع الأمر

فأكد له الموظف المسؤول انه تم تعيينه وهو وشخص أخر كمعيدين بالكلية, نظرا لان القسم يفتح لأول مرة وهم بحاجة الى معيدين لهذا القسم.

وبالفعل تم تعيين عماد معيدا بالكلية وبعد أقل من خمسة سنوات حصل على درجة الدكتوراه وتم تعيينه مدرساً في الكلية.

عزيزي القارئ

لو ذهبت الأن الى كلية الألسن ستجد أن عماد ذلك الفتى القروي الفقير قد أصبح اليوم دكتور جامعي ملئ السمع والبصر.

ستجده يقف على منصة العلم شامخ الرأس ندي الجبين واثق المنطق.

ستجد أن قسم اللغة الفارسية الذي كان يتكون من أربعة طلاب منذ بضعة سنوات أصبح اليوم يضم بين جنباته مئات الطلبة والطالبات.

أصبح عماد موظفاً ذو شأن عظيم وذاع صيته بين طلبة الكلية, وكتب اسمه وأسم والده الأجير على أغلفة الكتب التي يشتريها الطلبة

حصل عماد على المال ..

حصل على الشهرة

حصل على المكانة الاجتماعية

شيد في قريته منذ شهور بيتاً منيفاً لأبيه وأمه

واشترى لوالدته ما كانت تحلم به..

ووالده يستعد هذا العام لأداء فريضة الحج للمرة الرابعة على التوالي…

وهم الآن مسرورون فخورون بأبنهم عماد

هنا أدرك عماد

أن الله كان قد استجاب له حينما أختار له هذا القسم.

أدرك أن الله كان قد استجاب لدعائه لكنه كان لا يدري..

كان لا يدري لأنه أدرك أنه كأي إنسان قد خلق من عجل..

أدرك عماد أنه كان يريد الالتحاق بالكلية الالسن قسم الانجليزية ليعمل بوظيفة محترمة ويرفع شأن والده ويعوضهما عما عناه من تعب في تربيته وتعليمه

ومع انه لم يدخل القسم الذي كان يحلم به

الا ان الله حقق له الهدف من الدعاء

فقد حصل على الوظيفة, والمال وعوض والديه وحقق لهم السعادة والراحة والفخر..

هنا خر عماد ساجداً وأناب

ناجى ربه خجلاً وجلاً

“سامحني يا الله, ظننت أنك لم تستجب لي, وها أنا بعد أن مرت كل هذه السنوات أدرك أنك حينما قررت لي هذا الأمر كان ما هو الا استجابتك لكنني لم اكن أعلم الغيب”

آمنت بك يا الله…

آمنت أنك مجيب الدعاء

آمنت أنك كريم منان جواد

أمنت أنك أنت الغني

آمنت بأنك موجود

أنت موجود يا الله

نعم أنت موجود

صدقت يا الله

صدقت يا أرحم الراحمين

تبت اليك ..

فأغفر لي

قد علمت الآن والأن قد آمنت حقاً

سأصبر يا الله من اليوم

لن أتعجل أبداً

سأزعن لحكمتك التي لم أكن أفهمها

سأخبر كل من أعرفهم أن يدعونك وهم موقنين بالإجابة

سأقول لهم..

أدعوا الله ..

فأنه مجيب..

ادعوا الله وانتم موقنين بالإجابة

أدعوا الله واصبروا

فإنه مع الصابرين.

مع أطيب التحيات

حسن محمد

فرصة باقية

ملحوظة

عزيزي القارئ. يشهد الله أن قصة عماد هذه قصة حقيقية عاصرت صاحبها وأعرفه تمام المعرفة, لكن الاسم الموجود في القصة اسم مستعار وذلك حفاظاً على خصوصية صاحب القصة.

اقرأ ايضاً (سيناريوهات استجابة الدعاء)



شاركها
حسن محمد
 

مترجم فوري، عمل لدى العديد من كبرى الشركات والمنظمات العالمية من أهمها شركة تيتان الأمريكية، بي سي آي اليابانية وشركة قطر للبترول القطرية، شرع في التدوين في عام 2008 كهواية ومع مرور الوقت اكتسب خبرة في مجال التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية copywriting ومن ثم تحولت الهواية إلى مهنة مستقلة تهدف إلى تقديم الجودة والاحترافية في مجال التسويق الالكتروني وبخاصة في مجالي التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية، يعمل معه الآن فريق عمل محترف من المترجمين والمسوقين الإلكترونيين.

من فضلك انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل التعليقات 46 تعليق