الطريقة الثالثة… لربح مزيداً من المال مزيداً من التقدير

5046
مشاهدة

من أفضل الكتب التي قرأتها مؤخراً كتاب لخالد الخميسي صادر عن دار الشروق بعنوان ” تاكسي… حواديت المشاوير”, يحتوي الكتاب على مجموعة من الحوارات التي أجرها الكاتب مع عدد لا بأس به من سائقي التاكسي, الكتاب ممتع وشيق ولا يمكنك عزيزي القارئ أن تضعه من يديك إلا بعد أن تلتهمه التهاماً, بجانب البهجة التي غمرتني أثناء قراءتي هذا الكتاب تعلمت أيضاً أن بعض من سائقي التاكسي يعتمدون طريقتين أساسيتين لإجبار الراكب على دفع مبلغ إضافي من المال زيادة عن التعريفة المحددة:

تاكسي

الطريقة الأولى (الابتزاز العاطفي)

حينما يدخل الراكب التاكسي يلاحظ أن السائق في حالة نفسية حرجة, فهو أشعث أغبر, وجه عبوس قمطرير, يذكرك بوجه بائع الآلهة في فيلم فجر الإسلام, وعندما يساله الراكب من باب الإنسانية عن سبب ضيقه, ينفجر في وجه بالشكوى من ظروفه المادية الصعبة المتمثلة في أقساط السيارة المتراكمة, والمخالفات المرورية الملفقة, وزوجته المريضة وما تستهلكه من أدوية, وأولاده وطعامهم وكسوتهم ومصاريف دروسهم الخصوصية, وبعد كل هذه الشكاوي يجد الزبون نفسه في نهاية المشوار مضطراً من باب الحياء أن يدفع كل ما يطلب منه من أموال بدون فصال أو جدال حتى وإن كان على يقين بأن هذا السائق من الكاذبين.

الطريقة الثانية ( التحايل)

هناك نوعان من التحايل:

1 التحايل الرقيق: وهو نوع من التحايل يدرك الضحية فيه أن واقع تحت عملية تحايل مؤكدة إلا أنه يستسلم لها ويزعن وهو من الصاغرين, فمثلاً حينما يقوم السائق بإتحاف الراكب بسيمفونية من المديح المبالغ فيه, وفي كل جملة دائماً ما يعقد مقارنة بين حضرته ومظهره الذي يدل على أنه “أبن ناس” وبين الآخرين البخلاء الذي لا يقدرون المتاعب التي يعاني منها السائقين, بعد ذلك يجد الزبون نفسه مضطراً لأن يدفع المبلغ الذي طلب منه بلا فصال حتى وإن كان مبالغ فيه وذلك إما امتناناً من ثناء السائق ومديحه له, أو خوفاً من أن يصنفه السائق بأنه لا سمح الله من الآخرين البخلاء.

اقرأ أيضاً:   تظاهــــــــر بالنجــــــــاح ...حتى تحققــــــــــه

2- التحايل الضمني: ويتم بطرق كثيرة ;كالتلاعب بقراءة العداد مثلاً, إلا أن معظم السائقين لا يفضلون هذا النوع من التحايل لأنهم يعتقدون أن هذا السلوك حرام شرعاً بإجماع العلماء.

الطريقة الثالثة (إتقان العمل)

يحضرني في هذا السياق طريقة مغايرة لما ذكرناه آنفاً, هذه الطريقة سنتعرف عليها من خلال قصة يسردها علينا رجل أعمال أمريكي يشاركه فيها البطولة سائق تاكسي.

يقول رجل الأعمال:

” تعلمت درس في خدمة العملاء يستحق ملايين الدولات في وقت لا يتجاوز النصف ساعة, هذا الدرس علمني إياه سائق تاكسي محترف من ولاية دلس, وأنا أخطو أولى خطواتي في عالم الأعمال كنت ذاهباً لمقابلة أول عميل لي بإحدى الفنادق, تعطلت سياراتي في منتصف الطريق المؤدي إلى الفندق, فنعيت حالي وخرجت من السيارة وأنا اركلها بقدمي غاضباً, وقفت على قارعة الطريق في انتظار منقذ يقلني إلى الفندق في أسرع وقت, فليس جيداً أن أظهر أمام أول عملائي بأنني غير ملتزم بالمواعيد.

بعد دقائق معدودات توقف لي تاكسي, فتحت الباب بسرعة ثم دلفت داخله وأنا أخبر السائق عن وجهتي بنبرة متصاعدة توحي بأنني على عجلة من أمري, وبعد ان هدأت نفسي قليلاً نظرت حولي داخل التاكسي فلفت انتباهي نظافة السيارة وأناقتها , الكراسي مبطنة بالجلد, رائحة معطر الجو تعبق كل الأرجاء, سائق التاكسي في قمة الشياكة والنظافة وكأنه موظف في السلك الدبلوماسي, وأهم من الشياكة والنظافة, الابتسامة العريضة التي كانت تزين وجه.

بعد قليل قال لي “سيدي أمامك في الحافظة الأمامية جرائد اليوم, ويوجد ايضاً بحافظة الباب الأيمن ألبوم به معلومات عن شرائط الموسيقى الموجودة في السيارة اختر منها ما تشاء, فبينها الكلاسيكي وبينها الحديث, شكرته وأنا أردد في سري, إما أن يكون سائق التاكسي هذا ثمل أو به جنة, أثناء توقفنا في أحد الإشارات اشار إلى إحدى المباني المجاورة وقال لي ” سيدي هذه أكبر مكتبة في المدينة بجانب احتوائها على العديد من الكتب القيمة والنادرة إلا أن بها سوق كبير للأجهزة الإلكترونية بأسعار مميزة وفيها أيضاً تحف وأنتيكات وأعمال يدوية رائعة, وفي الطابق الثاني يوجد مطعم صيني فخم يقدم افضل “سوشي” يمكن أن تتذوقه, شكرته على المعلومات القيمة وأنا فاغر الفاه.

اقرأ أيضاً:   فن الخطابة...الجزء الأول

بعد أن فتحت الإشارة سرنا في شارع جانبي ومنه إلى شارع أخر كبير ومتسع, فاستأنف السائق كلامه قائلاً ” هل تعلم يا سيدي أن هذا الشارع شهد أكبر مظاهرة عمالية في الثلاثينيات من القرن الماضي, وبه أيضاً معرض عتيق للفنون التشكيلية, ذهلت من ثقافة هذا السائق وقلت له, يبدو أنك تحب عملك كثيراً يا عزيزي لذا أنا فخور بك, شكرني ثم أردف قائلاً ” في بداية حياتي لم أكن أحب هذه المهنة, وكوني لا أملك أي مؤهلات سوى إتقاني القيادة لذا أقنعت نفسي بضرورة تقبل هذه المهنة وحبها, فرحت أبذل كل ما في وسعي من جهد لكي أكون سائق تاكسي محترف, فوضعت نفسي مكان الزبون, وقلت لنفسي ما الذي يريده الزبون أثناء ركوبه التاكسي؟, فالزبون يمل من الزحام وإشارات المرور وثرثرة السائقين الفارغة, لذا كان علي أن أوفر بالتاكسي ما يشغله عن هذا الملل, وعلى أن أثقف نفسي وأتعرف على معالم المدينة وتاريخها, ولا أخفي عليك أني بفضل اجتهادي في عملي حققت ثروة لا بأس بها, تجعلني أترك التاكسي وأنشئ أي مشروع أخر, إلا أني قررت أن لا أعمل بمهنة غير التي أحبها وأتقنها, شكرت السائق على سعة اطلاعه وتفانيه في عمله, وأخرجت من حافظة نقودي مائة دولار زيادة عن التعريفة المحددة وأعطيتها له وأنا راض وسعيد, وقلت له أن المائة دولار هذه نظير تفانيك في عملك أما الدرس الذي تعلمته منك يا سيدي السائق لا يقدر بثمن, لذا أن مدين لك بخدمة تطلبها مني في أي وقت, قلت له هذه العبارة وأن أعطيه بطاقة العمل الخاصة بي, وبعد أن ودعته ظللت وأنا في طريقي إلى باب الفندق أردد في سري: حمداً لله لأن سيارتي تعطلت اليوم!!!!!

اقرأ أيضاً:   تحدث الإنجليزية أو أي لغة أجنبية أخرى بطلاقة

من القصة السباقة نعلم أن هناك طريقة ثالثة غير طريقتي الاستعطاف والتحايل تحقق المزيد من المال, هذه الطريقة هي إتقان العمل والإخلاص فيه, فإذا طبقنا هذه الطريقة على كل الأعمال التي نقوم بها, فساعتها سيحبنا الناس ويحترمونا وسيدفعون لنا نظير هذا الإخلاص أكثر مما كنا نتوقع وهم راضون, الأمر لا يقتصر فقط على سائقي التاكسي, بل يشمل كل المهن, فالطالب الذي يبذل قصارى جهده في دراسته لن يكون بحاجة لأن يتحايل على والده للحصول على زيادة في المصروف, والمحامي الذي يعمل من أجل صالح الناس لن يكون بحاجة إلى التحايل عليهم أو استعطافهم لربح الكثير, والصحفي لن يكون بحاجة إلى فبركة الأخبار والتدليس وإطلاق الإشاعات, والطبيب لن يكون بحاجة إلى عمل تعاقدات شخصية مع صيدليات ليرهق مرضاه مادياً بقائمة طويلة من الأدوية هم ليسوا بحاجة إليها من أجل كسب المال الحرام, الإتقان في العمل والخوف على مصالح الناس تجعل المحامي والطبيب والصحفي والمدرس وغيرهم يربحون مال كثير ويربحون أيضاً صيتاً نابع من احترام الناس لهم.

وأنت عزيزي القارئ

أي من الطرق الثلاث السابقة تعرضت لها في حياتك؟ وكم مرة؟ ومن من؟ أحكي لنا عن بتجربتك.



شاركها
حسن محمد
 

مترجم فوري، عمل لدى العديد من كبرى الشركات والمنظمات العالمية من أهمها شركة تيتان الأمريكية، بي سي آي اليابانية وشركة قطر للبترول القطرية، شرع في التدوين في عام 2008 كهواية ومع مرور الوقت اكتسب خبرة في مجال التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية copywriting ومن ثم تحولت الهواية إلى مهنة مستقلة تهدف إلى تقديم الجودة والاحترافية في مجال التسويق الالكتروني وبخاصة في مجالي التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية، يعمل معه الآن فريق عمل محترف من المترجمين والمسوقين الإلكترونيين.

من فضلك انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل التعليقات 9 تعليق