كيف يفكر الناجحون؟ مقارنة بين العقل الأمريكي والياباني والعربي

17226
مشاهدة

اعتبر نفسي موفقاً في حياتي العملية، فقد عملت بعد تخرجي بعامين كمترجم في احدى الشركات الأمريكية الكبرى، وبعد ذلك بثلاثة سنوات عملت في إحدى الشركات اليابانية العالمية المتخصصة في مجال التخطيط العمراني.

لاحظ عزيزي القارئ، الأولى شركة أمريكية والثانية شركة يابانية. أمريكا واليابان كلمتان كانتا متضادتان في الأربعينيات من القرن العشرين تحديداً إبان الحرب العالمية الثانية، لكنهما في هذه الأيام أصبحتا كلمتان مترادفتان ومتوافقتان في كثير من الأمور، فتبادل الخبرات والمنافع بين هاتين الدولتين بات أمر جلي استفاد منه اقتصاد البلدين.

طويت صفحات من التاريخ الدموي بينهما في هيروشيما وناجازاكي وبيرل هاربر، وبالرغم من هذا التوافق والانسجام الحاصل بينهما الآن إلا أن هناك ثمة اختلاف كبير في طريقة التفكير بين العقلية اليابانية والعقلية الأمريكية، هذا الاختلاف لم أقرأ تفاصيله في أي بحث علمي أو دراسة اكاديمية أنما هو عبارة عن خلاصة تجربتي المتواضعة وخبرتي الشخصية التي ليست بالكبيرة جداً، لذا فيمكنك أن تقبله أو ترفضه.

كيف يفكر الناجحون؟ مقارنة بين العقل الأمريكي والياباني والعربي

كيف يفكر الناجحون؟ مقارنة بين العقل الأمريكي والياباني والعربي

 

العقل الأمريكي وكيف يفكر؟

لاحظت من خلال الثلاثة سنوات التي عملت بها في الشركة الأمريكية أن الأمريكان يضعون أي نظام في العمل معتمدين على مبدأ المحاولة والخطأ، فهم يتعلمون من أخطائهم ويسجلونها ومن ثم يتجنبوا أسبابها عندما يضعون النظام الخاص بهم، ويطورون أيضاً نظم العمل وقواعده بالتدريج اعتماداً على ما يطرأ من مشاكل اثناء سير العمل.

فمثلاً في مجال تخصصي كانت تواجهنا مشكلة في ترجمة أسماء الأعلام العربية إلى الحروف اللاتينية فحينما كانت تأتي رسالة إلى المدير باللغة العربية وبها بعض الأسماء فكل مترجم كان يترجم الأسماء على حسب هواه، فتجد مترجم يكتب محمد هكذا ”         Mohammed” وتجد مترجم آخر يكتبه بهذه الصورة، “Muhammad” وتجد آخر يكتبه بهذا الشكل” Muhamed” فحدثت مشكلة دارية بسبب هذا التخبط،  فلو أرسل شخص يدعى ” محمد نصر” فاكس إلى المدير فالمترجم سيترجم أسم المرسل هكذا “Mohammed Naser”  وإذا اتت رسالة أخرى من نفس الشخص وذهبت لمترجم آخر فأنه سيكتب اسم المرسل هكذا ” Muhammad Nasir” فساعتها كان يقع المدير في حيرة كبيرة ، فهل الذي أرسل الرسالة الأولى هو نفس الشخص الذي أرسل الرسالة الثانية أم هو شخص آخر، هل هو محمد نصر أم محمد نصير؟

لذا كانت هناك مشكلة تحتاج إلى حل، وبعد محاولات كثيرة وتجارب فاشلة توصلوا في النهاية لوضع نظام رائع ومحكم لترجمة أسماء الأعلام العربية إلى الحروف اللاتينية، هذا النظام جعل كل مترجم يتفق مع أخيه في ترجمة أي أسم بدون اختلاف او تباين، ما سقناه هنا مثال من مئات الأمثلة التي واجهتها أثناء عملي معهم، فالأمريكان يتركون الحرية للموظف ليعمل كيفما يشاء وحينما تطرأ مشكلة فإنهم يحاولون حل هذه المشكلة بوضع نظام يحول دون حدوث هذه المشكلة مستقبلاً، ومن يأتي بعد ذلك من موظفين عليهم أن يتبعوا قواعد هذا النظام، الذي قد  يباع لشركات أخرى بملايين الدولارات. المترجم الذي يأتي وهذا النظام قد وضع بالفعل سيقول في نفسه متعجباً ” ياه ما أذكى الأمريكان؟” لكن لو عاصر بداية وضع النظام وعايش مراحله المختلفة لعرف أن النظام لم يوضع من البداية نتيجة الذكاء الخارق وإنما هو نتيجة محاولات كثيرة وأخطاء أكثر.

العقل الياباني، كيف يفكر؟

” من دعا عليه أبويه يعمل لدى شركة يابانية” هكذا كان يقول أحد أصدقائي وذلك لأن اليابانيين لا يعرفون شيء في الحياة سوى العمل، فالعمل هو الزوجة والولد والأهل، فلا تتعجب عزيزي القارئ حينما أقول لك أنن الياباني في العادة يعمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة ليلاً، فحتى الطعام يتناوله في كثير من الأحيان على مكتبه، وفي يوم الراحة الأسبوعية كثيراً منهم من يأتي للعمل، لذا تجد أغلب النساء اليابانيات قد جاوزن سن الأربعين بدون زواج وكذلك الرجال دائماً ما يتزوجون في سن متأخرة جداً هذا إن تذكروا أنهم لم يتزوجوا بعد!

قد تظن عزيزي القارئ أن سياسة الشركة تفرض على الموظفين هذه الأعباء، هذا غير صحيح، اليابانيون أنفسهم يحبون العمل ويهوون التحدي، وإن كان الأمريكان يعتمدون على المحاولة والخطأ في تفكيرهم فاليابانيون لا يحبون الخطأ أبداً وقد تقتل ياباني أرحم من أن تلومه على خطأ أرتكبه في العمل، الياباني يعتمد في عمله على بذل كثير من الوقت وكثير من الجهد ويعتمدون أيضاً على التكرار لتحقيق أعلى درجات الجودة،  فمثلاً حينما يكتب الياباني تقريراً فأنه يكتبه خمسة أو ستة مرات على الأقل، ولا يقبل أن يكون هناك خطأ في حرف من الحروف حتى أن أحد زملائي نسى حرف في كلمة فتم أعادة كل العمل إليه ليراجعه بعد أن تلقى قدر لا بأس به من اللوم.

كيف يفكر العقل العربي؟ 

كنت اعتقد قبل عملي مع اليابانيين والأمريكان أن عقلية هؤلاء البشر خرافية، كنت أظن أن ذكائهم شيء خارق للطبيعة بل وذهبت بي الظنون إلى أبعد مدى فقد كنت أحسب ان خلايا عقل الأمريكي والياباني تشريحياً أكثر بكثير من خلايا عقل الإنسان العربي لكني تفاجأت حينما اكتشفت عكس ذلك.

اكتشفت ان عقل العربي منفتح أكثر من عقول هؤلاء، بينما تشرح للياباني مسألة ما مئات المرات حتى يستوعبها تجد العربي يلتقطها من أول أو ثاني وهلة على الأكثر، وبينما لا يعرف أغلب الأمريكان في أي قارة يقع العراق الذي حاربوه واستولوا على خيراته تجد أغلب العرب يعرفون بالتفصيل شكل ولون علم البروناي، أدركت ساعتها أن خلايا عقولنا مساوية لخلايا عقولهم، وأدركت أيضاً أن مشكلتنا الوحيدة كعرب تكمن في أننا لا نستخدم هذا العقل مع أنه عضو هام في جسد الإنسان!

لماذا لا نستخدم عقولنا نحن العرب؟

حينما يعمل الأمريكي أو الياباني وصادفه عارض  أتعبه أو عطله عن العمل فأنه يفكر في التخلص من هذا العارض بأي طريقة حتى أنه قد يخترع أله للتخلص من هذا العارض،  لذا تجد السيدة اليابانية تخترع أدوات وآلات منزلية تريحها من عناء العمل اليومي، فهناك آلات تستخدم داخل اليابان فقط ولم يسمع بها العالم، أم نحن فقد اعتدنا على الراحة واستمرأتها أبداننا، اعتدنا أن نجد كل شيء متهيئا وجاهزاً، فنفرنا من التعب والتفكير، الراحة أدت بنا إلى الكسل والخوف والجبن وعدم الثقة بالنفس، إذا أعيانا شيء تركناه وبحثنا عما هو أسهل، أما الأمريكي إذا استعصى عليه أمراً ولم  يجد له حلاً فأنه يحاول ويحاول ويحاول وأن لم يستطع بعد كل المحاولات فأنه يلجأ إلى جمع الحلفاء على هذا الأمر حتى يقهره، فتجدهم يشكلون مجموعات عمل لكل فرد فيها تخصصه ومهامه، أما نحن فنحب أن نعمل في الظلام فيكف لشخص آخر أن يستفيد من ذكائي وأفكاري، فلتمت الأفكار أفضل من أن يشاركني في المجد أحد.

ثمة شيء جوهري آخر يفرق بيننا وبينهم، فهم يتمتعون بالصبر مع حفاظهم على قوة الدافع الداخلي، أم نحن فلا صبر لدينا فنحن نريد الثمار بمجرد أن نزرع الشجرة، وإن لم نحصل على ما نريد فساعتها يضعف الحافز ويفتر الحماس وتموت الإرادة داخلنا، فكم من أعمال عظام واختراعات جبارة ماتت لأن أصحابها تعجلوا جنى الثمار فلما تأخر الحصاد مات الحماس وتلاشت الآمال.

لماذا نستخدم عقولنا؟ وكيف نستخدم عقولنا؟ دعوة للتفكير

عزيزي: ألم تقرأ أو تسمع من قبل أن الأنبياء قبل نزول الوحي عليهم كانوا يمارسون التدبر والتفكر! ألم تسمع أن سيدنا إبراهيم قبل تلقيه لرسالة السماء كان يجلس بمفرده ويتدبر الكون من حوله، ألم تسمع أنن سيدنا موسى كان ينفرد بنفسه في الصحراء قبل أن يسمع النداء المبارك” اخلع نعليك أنك بالوادي المقدس طوى”، ألم يكن المسيح يختلي بنفسه فوق قمة الجبل وكان يجلس وحيداً في الهيكل، ألم يكن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم يختلي بنفسه في غار حراء، ألم تسمع عزيزي القارئ عن العابدين في الصوامع والرهبان في الأديرة.

ألم تسمع من قبل كيف أن كثيراً من السجناء بدأت حياتهم الإبداعية داخل جدران السجون؟ ألم يسجن بن حنبل فصار بعد ذلك أمام أهل السنة؟ ألم يخرج أبن تيميه من سجنه علماً جماً؟ ألم يكتب السرخسي عشرين مجلداً في الفقه أثناء حبسه في قعر بئر معطلة؟ ألم يكتب سيد قطب في ظلال القران وهو في الزنزانة، ألم تسأل نفسك من قبل لماذا أبدع هؤلاء وغيرهم كثير داخل جدران السجون؟ هل بسبب عبق البحر الذي يمتلئ به السجن؟! أم السر في نسيم الربيع الذي ينساب من كوة الباب الحديدي؟ أم يا ترى لأن جدرانه المطلية بالفضة وأرائكه الموشاة بالماس وصحفه المرصعة بالذهب هي التي فجرت ينابيع الإبداع في عقول هؤلاء؟

لا يا أخي الكريم فالسجن ليس به نسيم أو ذهب أو فضة، الذي جعل هؤلاء يبدعون هو أن السجن وفر لهم فرصة الاختلاء بالنفس، والاختلاء بالنفس جعلهم يفكرون ويتدبرون ويستخدمون عقولهم، فمنذ متى وأنت لم تجلس مع نفسك أخي القارئ؟ منذ متى وأنت لم تتدبر الكون، منذ متى ونحن كعرب هجرنا عبادة التدبر مع أنها كما ورد في الأثر ” تدبر ساعة خير من قيام ليلة”؟

أخي لكي تنجح في الحياة والآخرة مارس مهارة التفكر؟ خصص لنفسك ساعة كل يوم، أستأذن فيها من أهلك وأصحابك، أجلس في غرفتك بمفردك، أشعل ضوء خافت، ودع أفكارك تتدفق بحرية، أجعلها تنساب في أي اتجاه تريد، تفكر في كل شيء حولك، أن لم ترتاح لجلوس وحيداً في غرفة فاجلس في مكان بلا سقف، شاهد النجوم وتدبر الجمال الذي خلقه الله، وان كانت ساعة كل يوم صعبة، فأجعلها ساعة كل يومين أو كل ثلاث أو كل أسبوع، المهم أن تستخدم عقلك من جديد.

أخي القارئ، ألم تفكر في مكونات الطائرة؟ مما تتكون الطائرة؟ بالطبع ستقول من محركات وجناح وذيل وهيكل وكراسي وأشياء أخرى كثيرة، ألا تتفق معي أن الطائرة بمكوناتها الكثيرة هذه كانت مجرد فكرة في عقل انسان جلس يفكر فيها بمفرده، ألم تبدأ الفكرة بتصميم جناحين من ريش الطيور وانتهت بطيارات الشبح والأير باس والبوينج وغيرها.

عزيزي كم شخص جلس تحت شجرة أو نخلة وسقطت عليه ثمرة، كثير  منا حدث معه ذلك، لكن لماذا نيوتن هو الشخص الوحيد الذي حينما سقطت عليه التفاحة أكتشف قانون الجاذبية، وكم شخص جلس ليستحم في حوض ماء لكن لماذا أرخميدس هو الشخص الوحيد الذي قال ” وجدتها وجدتها” وذلك لأنه أكتشف ما يسمى بقانون الطفو، نيوتن وأرخميدس وكثير من العباقرة لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بالصدفة، ما وصلوا إليه كان ثمرة تفكير وتدبر طويل، هذا التفكر هو الذي جعل العقل يعمل ويلمح كل شيء مهما كان دقيقاً ومعتاد الحدوث، هو الذي جعل نيوتن يرى سقوط التفاحة من زاوية أخرى، وهو الذي جعل أرخميدس يربط بين كمية الماء المزاح وحجم جسمه المغمور. حينما تجلس بفردك وتفكر سيعمل عقلك ومن يدري فقد تخترع شيء أو تلمع في ذهنك فكرة مشروع تجاري كبير.

لا تخف أخي القارئ، التفكر لا يسبب الجنون كما يشاع، فالذي يجن أو يجذب هو الذي لا توجد في عقله أي أفكار، كل الذي ستشعر به في بداية الأمر مجرد صداع بسيط وذلك لأن كثير من خلايا عقلك كانت لا تعمل من قبل والآن بدأت تعمل من جديد، لا تقلق سيتلاشى هذا الصداع تدريجياً حينما تداوم على التفكير والتدبر، ستكون أشبه بشخص كان لا يمارس الرياضة ولما بدأ يمارسها شعر بألم يجتاح جميع جسده، وذلك علامة على أن الأعصاب بدأت تشتد وعضلات الأكتاف والسمانة والترابيس شرعت في النمو.

اقرأ أيضاً:

تحياتي
حسن محمد




شاركها
حسن محمد
 

مترجم فوري، عمل لدى العديد من كبرى الشركات والمنظمات العالمية من أهمها شركة تيتان الأمريكية، بي سي آي اليابانية وشركة قطر للبترول القطرية، شرع في التدوين في عام 2008 كهواية ومع مرور الوقت اكتسب خبرة في مجال التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية copywriting ومن ثم تحولت الهواية إلى مهنة مستقلة تهدف إلى تقديم الجودة والاحترافية في مجال التسويق الالكتروني وبخاصة في مجالي التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية، يعمل معه الآن فريق عمل محترف من المترجمين والمسوقين الإلكترونيين.

من فضلك انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل التعليقات 34 تعليق