الشيخ كشك… عمرو خالد… وفن الخطابة

9291
مشاهدة
كما أن لكل نجم كواكب يسبحون حوله, لكل مبدع مقلدين, هذه هي طبيعة الحياة وهذا هو ديدن البشر, والتقليد يكون دائماً من الذي يشعر أنه أدنى للأعلى منه منزلة – من وجهة نظره- فتجد الذي يشعر بنقص ما أو الذي يولع بشخص ما يقلد كل شيء يصدر عن هذا الشخص, المشية طريقة الكلام والملبس والإيماءات والإشارات.فمثلاً في السياسية إذا أعفى الحاكم شاربه, تجد كل الوزراء وموظفي الحكومة يعفون شواربهم بنفس الشكل والكيفية التي عليها  شارب الحاكم وما شارب الرئيس الراحل صدام حسين عنا ببعيد, ذلك الشارب الكثيف الذي كان على شكل هلال مقلوب, ففي ذلك الوقت كنت تلاحظ أن معظم الأخوة العراقيين وكأنهم ولدوا بشوارب من نفس ماركة شارب الرئيس, وبالمقابل إذا تنازل الحاكم عن شاربه تجد الذين من حوله بلا شوارب ومن لا يصدقني فليلاحظ شوارب وزرائنا في مصر في الوقت الحالي ويقارن بين حالها وبين حال أخواتها في عهد عبد الناصر وفاروق.

وفي عالم الفن حينما ظهر عبد الحليم حافظ على الساحة الفنية كان له أسلوب مميز يختلف عن أسلوب من سبقوه فقلده الكثيرين وتلاشى الجميع وبقى عبد الحليم, وفي عالم الأدب قلد شوقي الكثير فبقى شعر شوقي ونسى الناس المقلدين, وفي مجال التلاوة قلد المنشاوي وعبد الباسط ومشاري والسديس والطبلاوي ومصطفي إسماعيل رجال من مشارق الأرض ومغاربها.

ومن رحم ستينات القرن العشرين, أطل علينا وجه صبوح, وقلب خاشع وشعلة من حماس أضاءت لصاحبها الطريق فعوضته عن نعمة البصر التي حرم منها. هذا الوجه هو وجه الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله, من منا لا يعرف هذا الرجل, من منا لا يعرف هذا الحر الذي لا يخشى في الحق لومة لائم, من منا لا يحب الاستماع إلى خطبه حتى الآن.

تلك الخطب التي كانت تتسم جاذبية خاصة  لبساطتها وجرئتها في الحق, فقد كان الشيخ يتبنى دائماً طريقة الخط المستقيم التي هي أقرب الطرق إلى إي نقطتين.  ضف إلى ذلك النقد البناء الذي كان يوظفه بمهارة في كل خطاب من خطاباته, نقد في عصر الكبت والاستبداد حيث لا مدونات ولا حقوق إنسان ولا إعلام يظهر للعالم الظلم الواقع على فئة معينة من ناس, عصر شمس بدران وصلاح نصر وشهداء حماة.

اقرأ أيضاً:   مصر بحاجة إليكم الآن...بالإصرار تنتزع الحرية

ويبدو أن الكثيرين قد ولعوا بأسلوب الشيخ, فصاروا على ضربة وتبنوا طريقته وحتى الآن إذا أمعنت النظر فليلاً أيها القارئ الكريم ستجد معظم الخطباء في يومنا هذا يتقمصون شخصية هذا الشيخ الجليل في خطبهم سواء بقصد أو بدون قصد, فصار لدينا ألف بل آلاف الصور من الشيخ كشك.

القليل من هؤلاء المقلدين من نجح نسبياً في تكوين شعبيه محدودة لا تتعدى حدود المسجد الذي يخطبون فيه  لكن معظمهم فشل بتفوق!!!, لأنهم ببساطة عبارة عن ممثلين, وليتهم ممثلين بارعين إلا أنهم لم يكونوا كذلك لأنهم مثلوا دور لا ينطبق ولا يلاءم شخصياتهم, وكأنهم يذكروني بالفنان الراحل يحيى شاهين حينما كان يؤدي دور “الدنجوان” وهو في سن الخمسين.

فتجد من يقلد الشيخ كشك يعتمد على صفتين من صفاته ويحاول اللعب عليها, الصفة الأولى هي طبقة الصوت العالية التي تستحث الهمم وتسري في الأبدان الحماسة, والصفة الثانية هي محاولة تقليده في أسلوب النقد وروح الدعابة التي كان يتميز بها, وفيما يخص الصفة الأولى تجد المقلد يرفع صوته بلا داعي وفي مواقف لا تحتاج إلى حماس فيتحول خطابة إلى شبه “خناقة” مع المستمعين ونتيجة ذلك هي عزوف الناس عن تقبل الدعوة أو النصيحة, بل تطور الأمر إلى أشد من ذلك فقد تحولت بعض شخصيات الدعاة إلى شخصيات مدعاة للنكات والطرائف.

أما بالنسبة للصفة الثانية وهي التي تخص السخرية والنقد البناء فقد كان الشيخ كشك رحمه الله يقرأ ويفهم قبل أن ينقد أحد الفنانين أو الساسة, ففي كل خطاباته كان دائماً يذكر المبرر الذي دفعه للنقد أما المقلدين فهم يكتفون بالنقد دون فهم أو قراءة أو وعي, فتحولوا -إلا من رحم ربي- إلى شتامين ولا يحق لداعية أن يكون شتاماً أبداً. وبسبب عدم امتلاكهم لرؤية أو تخطيط أو حتى ثقافة تجدهم يتخبطون دائماً فمرة يكفرون شخص ثم بعد فترة يجعلونه ولياً وتارة يصفقون لجماعة وتارة يلعنوها.

ألم تسمعهم مرة أخي القارئ وهم يصيحون ويصرخون ويتعصبون ويخرجون من ملابسهم ومع ذلك لا يتأثر بما يقولونه أحد, ألم تصادف أخي القارئ أحد منهم يضيع الخطبة في السخرية والنقد حتى أنك تخرج من الخطبة ولا تتذكر منها إلا هذه الأشياء التي لا تغني ولا تسمن من جوع, وإن لم تصادف أي من النوعين السابقين فأكيد ثم أكيد أنك صادفت شيخ وقور بلغ من العمر أرذله  يقف على منبر في مسجد به أطفال ونساء ويضيع الخطبة كلها في باب الطهارة أو ختان الإناث, فهو بالطبع يتكلم في الحق لكن للحق أيضاً مواضع يقال فيها.

اقرأ أيضاً:   مسلسل الجماعة لوحيد حامد … وكيف يبيع الحر نفسه؟

وبعد الشيخ كشك وفي زماننا هذا ظهر شاب خطف الألباب ببساطة خطابه وحسن منطقة, هذا الشاب هو الأستاذ عمرو خالد, من منا لا يحب أسلوبه البسيط الذي يستميل به القلوب ويقنع به العقول, من منا ينكر ذكائه وقدراته الخارقة على الربط بين الماضي والحاضر بطريقة مقنعة وجذابة, فهو ببراعة حول الحصان إلى سيارة والرمح إلى صاروخ, والرقعة إلى إيميل وقد أمتع في ذلك وأقنع بلا ريب, ويبدو أن ما حدث لشخصية الشيخ كشك من تقليد تكرر مع شخصية الأستاذ عمرو خالد فنرى اليوم الكثيرين من يقلده في كل شيء في الملبس والأسلوب وحتى الإيماءات والإشارات. فأصبح لدينا مئات المقلدين السائرين على درب عمرو خالد.

وقس على ذلك فلدينا اليوم مئات الصور للشيخ طارق سويدان والعريفي وزغلول النجار ,  إذاً لو حاولنا أن نحصر عدد الخطباء المتفردين في أمتنا فسنجدهم لا يتعدوا بضعة مئات, ودعونا نكون متفائلين ونقول أن عددهم بضعة ألاف, فهل هذا يعقل بضعة ألاف خطيب في أمة تمثل ربع سكان العالم.

الأمر لا يتوقف على الخطاب الديني فقط بل يمتد ليطول الخطاب السياسي أيضاً, فمن منا يحب أن يسمع خطبة لسياسي, لا أحد بالطبع إلا المستفيدين أمثال العمال الذين ينتظرون علاوة أو الموظفين المترقبين لترقية, فالخطاب السياسي معد سلفاً من شخص آخر متخصص في كتابة الجمل والتعبيرات اللغوية البليغة, وتشعر أن من يلقيه لا يؤمن بما فيه وكيف يؤمن به وهو لم يختر كلماته ولم ينفعل بما فيه من أفكار, فالخطاب كله مجرد شعارات, أقر بالطبع أن هناك بعض الشخصيات السياسية التي لها كاريزمات في الخطابة لن تتكرر سواء أكانت تلك الشخصيات في الماضي أو الحاضر مثل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والسيد حسن نصر الله بغض النظر عن رأي البعض في سياستهم فنحن هنا نتحدث عن الخطابة وفنونها وليس الاتجاه السياسي أو الفقهي أو المذهبي.
 

نحن أمة الخطاب بلا منازع, ففي حين كانت الأمم السابقة تنتظر خطاب من حكامها في المناسبات المختلفة كنا نحن لكل بلد ولكل مدينة ولكل قرية ولكل كفر خطباء يخطبون في الناس مرة في الأسبوع على الأقل, فكيف مع كل هذا الثراء لم نطور هذا الباب الهام. توجد بالطبع كتابات كثيرة ودراسات عديدة لا بأس بها لكن معظم هذه الكتابات يعتريها شيء من القصور, فإما أنها كتبت بلغة صعبة أو كان جل تركيزها على الخطاب الديني وخاصة الجانب اللغوي والفقهي منه مع إغفال الفنيات الأساسية للخطاب  الا وهي كيفية إيصال الأفكار إلى المستمعين بطريقة جذابة وبعيدة عن الملل.
 وعلى النقيض نجد الغربيين قد اهتموا بهذا الجانب وطوروه فكتبوا في ذلك الكتب والأبحاث والدراسات بل أنهم لم يكتفوا بالمطبوعات بل خصصوا لهذا الموضوع دورات تدريبية وورش عمل وعروض تقديمية وبرامج تليفزيونية والكترونية. فأين إسهامنا من إسهاماتهم. 
عزيزي القارئ, من أجل هذه الأسباب, أقدم بين يديك وعلى صفحات هذه المدونة  دورة تدريبية عن فن الخطابة, لا أقول ولا أدعي أن هذه الدورة هي التي ستصحح الخطأ وتعدل المقلوب, فأنا لست بعنترة ولا بصلاح الدين, فنحن بحاجة إلى أنشطة أكثر من ذلك بكثير لنحقق النجاح المطلوب, وبالرغم من ذلك فإن هذه الدورة ستلقي الضوء على الخطوط العريضة للخطاب بوجه عام سواء أكان خطاب دينياً أو سياسياً أو أي نوع آخر من أنواع الخطاب المختلفة. قمت بتقسيم الدورة إلى جزئين سيتم نشر الجزء الأول خلال بضعة أيامً ثم سأتبعه مباشرة بالجزء الثاني إن شاء الله.
 وقبل الخوض في هذه الدورة أود أن أتوجه بالشكر للأستاذ عبد الله العثمان صاحب مشروع خطط ويانا, والذي أمدني بالمواد المطلوبة لإخراج هذا العمل كما أنه لم يبخل علي بنصائحه النافذة والنابعة من خبرة طويلة  اكتسابها عبرة الأيام والتجارب  في مجال التدريب والتنمية والبشرية وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لا يشكر الله من لا يشكر الناس” رواه البخاري وصححه الألباني.
الدوحة-قطر


شاركها
حسن محمد
 

مترجم فوري، عمل لدى العديد من كبرى الشركات والمنظمات العالمية من أهمها شركة تيتان الأمريكية، بي سي آي اليابانية وشركة قطر للبترول القطرية، شرع في التدوين في عام 2008 كهواية ومع مرور الوقت اكتسب خبرة في مجال التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية copywriting ومن ثم تحولت الهواية إلى مهنة مستقلة تهدف إلى تقديم الجودة والاحترافية في مجال التسويق الالكتروني وبخاصة في مجالي التسويق بالمحتوى والكتابة التسويقية، يعمل معه الآن فريق عمل محترف من المترجمين والمسوقين الإلكترونيين.

من فضلك انتظر قليلاً ريثما يتم تحميل التعليقات 18 تعليق